
فنحن نعيش اليوم واحدةً من هذه اللَّحظات النادرة؛ هي لحظة تتزاحم فيها الأزمات السياسيَّة والأيديولوجيَّة والحضاريَّة لتُعيد طرح ثلاثة مفاهيم ظنّها كثيرون أثرًا بعد عين: السيادة، والسلطة، والدين. إنّ طرح هذه القضايا تمثّل ضرورة يفرضها الواقع بكلّ ثقله؛ إذ لا يمكن فهم ما تشهده المجتمعات اليوم من تحوّلات عميقة دون العودة إلى الجذور الفلسفيَّة لهذه المفاهيم ومساءلة مسلّماتها.
لقد قامت الحداثة الغربيَّة في أحد أوجهها على وعدٍ مضمر بالفصل: الفصل بين الديني والسياسي، وبين السلطة الدينيَّة والسيادة الزمنيَّة، وبين المقدّس والعَلماني. لكنَّ هذا الوعد لم يتحقَّق إلا على السطح، فبينما أُزيح الدين عن مقاعد الحكم الرسميَّة، تسرّب من النافذة الخلفيَّة إلى صلب الخطاب السياسي الحديث ذاته. يكشف (كارل شميت - Carl Schmitt) عن هذا السرّ المحجوب حين يُقرّر أنَّ المفاهيم الكبرى في نظريَّة الدولة الحديثة هي مفاهيم لاهوتيَّة مُعلَمَنة. وهذه الملاحظة هي مفتاح تحليلي يُعيد رسم خريطة العلاقة بين الحقلين اللذين أُريد لهما أن يتباعدا إلى الأبد.
ومنذ أن أعلن (هيغل - Georg Hegel) أنَّ الدولة هي "الإله الحاضر في العالم"، وأنَّ السيادة المطلقة هي تجسيد العقل الكلّي في صيغته الأرقى، لم يتوقَّف الجدل عن طبيعة السلطة وأصلها ومشروعيَّتها. فأين تقع السيادة؟ هل هي في إرادة الفرد أم في الإرادة العامة؟ وهل هي في العقد الاجتماعي، في المطلق الميتافيزيقي، أم في الشريعة الإلهيَّة؟ هذه الأسئلة التي بدت كأنَّها حُسمت بعد الثورة الفرنسيَّة لصالح إجابات العقلانيَّة الليبراليَّة، عادت اليوم تطرق الأبواب بإلحاح لا يحتمل المراوغة.
لقد مثّل انهيار الاتحاد السوفياتي عام 1991 إيذانًا بما سمّاه (فرانسيس فوكوياما - Francis Fukuyama) "نهاية التاريخ"؛ أي انتصار النموذج الليبرالي الديمقراطي بوصفه الصيغة الأكثر اكتمالًا للتنظيم البشري. بيد أنَّ أحداث العقود الثلاثة التالية أثبتت أنَّ التاريخ لم ينتهِ، وأنَّ النموذج المنتصر لم يكن بمنأى عن التصدّع الداخلي. فالأزمة الماليَّة العالميَّة عام 2008، وصعود الشعبويَّة اليمينيَّة في عقر دار الديمقراطيّات الغربيَّة، والتحوّلات العميقة في الشرق الأوسط عقب عام 2011، ثمَّ الصراعات المتجدِّدة التي تمتدّ من أوروبا الشرقيَّة إلى غرب آسيا — كلّ هذه المحطات تكشف أنَّ ثمَّة أسئلة لم تجب عنها فلسفة الحداثة السياسيَّة، وأنَّ المفاهيم الكبرى تأبى الاستقرار خلف الأُطر التي أُريد لها أن تبقى فيها.
والأشدّ دلالةً من الحدث السياسي هو ذلك الإخفاق الأنثروبولوجي العميق الذي ترتّب على محاولة الحداثة تصنيع نموذج إنساني مُعلمَن يفيض بالرغبة وبالحقوق، لكنَّه يخلو من المعنى والغاية. فمنذ أن أعلن (نيتشه - Friedrich Nietzsche) موت الإله، بات السؤال عن الشرعيَّة السياسيَّة سؤالًا عائمًا بلا مرساة؛ إذ حين يموت الإله لا تموت فقط فكرة المقدّس، وإنَّما تتزعزع معها كلّ قيمة كانت تستمدّ يقينها من مرجعيَّة متعالية. وفي فضاء الغياب هذا انبثقت محاولات عديدة لملء الفراغ: أيديولوجيَّات الأُمَّة، وعبادة الدولة، وديانة التقدّم، وصولًا إلى الإيمان بالسوق. لكنَّ هذه البدائل أثبتت جميعًا عجزها عن تقديم ما كان يُقدّمه البُعد الديني في الحياة السياسيَّة؛ أعني مشروعيَّة مُتسامية، وسيادة تتجاوز إرادة الأفراد المتقلّبة، وأُفقًا من المعنى يُضفي على الفعل السياسي بُعدًا يفوق حسابات المصلحة الآنية.
ما أن دخلنا الألفيَّة الثالثة حتى باتت ظاهرة عودة الديني إلى الفضاء العام موضع تحليل واسع النطاق. يُلاحظ (يورغن هابرماس - Jürgen Habermas)، المنظِّر الليبرالي بامتياز، أنَّ المجتمعات الغربيَّة دخلت مرحلة ما بعد عَلمانيَّة؛ حيث لم يعد مقبولًا إسكات الأصوات الدينيَّة وإقصاؤها من الحوار العام بدواعي عَلمانيَّة مزعومة. وهذا الاعتراف من جانب الليبراليَّة بذاتها يحمل في طيّاته إقرارًا ضمنيًّا بأنَّ مشروع الإقصاء لم يكن يقوم على مسوّغات فلسفيَّة صافية، وإنَّما على إرادة سياسيَّة سردت نفسها بلغة العقل.
على الضفة الأخرى، ولدى المجتمعات ذات الأغلبيَّة المسلمة، لم يكن الدين قد غادر الفضاء العام قطّ بالمعنى الذي جرى في السياق الغربي؛ وإنَّما هو يُعيد إنتاج نفسه بأشكال متجدّدة، ويطرح أسئلة عن العلاقة بين السلطة والشريعة وسيادة الأُمَّة بكثافة لا تتوقَّف. ولعلَّ المفارقة الكبرى أن يجد الفكر الإسلامي نفسه في مواجهة سؤالَين متزامنَين: سؤال خارجي يطالبه بالمثول أمام معايير الحداثة السياسيَّة وتقديم تزكيته، وسؤال داخلي يمسّ الجوهر ذاته: هل التراث السياسي الإسلامي منظومة حيَّة قادرة على الاشتباك مع المستجدات، أم أنَّه أصبح تراثًا للذاكرة لا للبناء؟
من هذه الخلفيَّة المتشعّبة ينبثق بحثنا هنا، حاملًا مشروعًا فكريًّا مزدوجًا: نقد وتأسيس. النقد يستهدف المسلّمات الفلسفيَّة للمذاهب الغربيَّة الكبرى في فهمها للسيادة والسلطة والدين، مُبيِّنًا كيف أنَّ هذه المذاهب، على ما تحمله من عمق وثراء، تنطوي على قُصورات بنيويَّة تجعل منها نماذج ناقصة حين تُوصف بالكونيَّة وتُعرض باعتبارها معيارًا شاملًا.
أوَّلًا: المذاهب الغربيَّة في ميزان الفحص
لا يمكن لأي مشروع فكري يدّعي الجدِّيَّة أن يبدأ من فراغ، أو أن يُقيم أطروحته على إدانة مُسبقة للآخر دون أن يُمعن النظر في منجزه ويستوعب حججه من الداخل. ومن هذا المنطلق بالذات تنبثق ضرورة الاشتباك النقدي مع المذاهب الغربيَّة الكبرى في فهمها للسيادة والسلطة والدين؛ لا لرفضها جملةً وتفصيلًا، وإنَّما لتشريح بنيتها المفهوميَّة وكشف ما تنطوي عليه من مسلّمات غير مُعلنة. فالنقد هو استئناف للحوار من موقع المعرفة بالآخر وليس من موقع الجهل به.
بدأت الفلسفة السياسيَّة الغربيَّة الحديثة مشروعها الكبير باستئصال اللاهوت من قلب السياسة، أو هكذا ادّعت. فمنذ (توماس هوبز - Thomas Hobbes) الذي أسّس نظريَّته في السيادة على أنقاض الحروب الدينيَّة التي مزّقت أوروبا، وأعلن أنَّ العقد الاجتماعي هو الذي يمنح السلطة شرعيَّتها لا الإله ولا الكنيسة، بات الخطاب السياسي الغربي يُقدّم نفسه باعتباره خطابًا عقلانيًّا محايدًا، يقف على مسافة واحدة من جميع العقائد الدينيَّة ولا يستمدّ مشروعيَّته من أيٍّ منها. لكنَّ هذا الإعلان ذاته ينطوي على مفارقة عميقة؛ إذ إنَّ السيادة المطلقة التي يرسمها (هوبز) للدولة في ليفياثان (Leviathan) هي سيادة لا تختلف في بنيتها المنطقيَّة عن السيادة الإلهيَّة التي أراد تجاوزها: مطلقة، وغير قابلة للمساءلة، ومصدر كل قانون وكل شرعيَّة.
وحين جاء (جون لوك) ليُلطّف من غلواء (هوبز) ويُؤسّس لليبراليَّة السياسيَّة بوصفها نظامًا يصون الحقوق الطبيعيَّة ويُقيّد السلطة بالموافقة الشعبيَّة، بدا كأنَّ المشروع الغربي قد خطا خطوة نوعيَّة نحو أنسنة السياسة. بيد أن الحقوق الطبيعيَّة عند (لوك) لم تكن بريئة من الأساس اللاهوتي الذي أراد الخطاب العلماني التبرّؤ منه؛ إذ يُصرّح (لوك) بأنَّ الناس مخلوقات الله وعبيده، أُرسلوا إلى العالم بأمره وفي خدمته، فهم ملكه لا ملك بعضهم بعضًا. فالحقّ الطبيعي عنده مستمدّ في نهاية المطاف من الخالق، لا من العقل المجرد؛ ومع ذلك سيُوظَّف هذا الإرث لاحقًا في بناء منظومة عَلمانيَّة تدّعي أنَّها مستقلة عن كل مرجعيَّة دينيَّة.
أما (جان جاك روسو) فقد أضاف إلى هذا المسار بُعدًا آخر حين أحلّ "الإرادة العامة" محلّ السيادة الإلهيَّة والعقد (الهوبزي) معًا، ليُقدّمها باعتبارها الكيان الأعلى الذي لا يُخطئ والذي ينبغي أن تخضع له جميع الإرادات الفرديَّة. وقد لاحظ كثير من الباحثين أنَّ الإرادة العامة عند (روسو) تؤدّي وظيفة شبه دينيَّة في منظومته الفكريَّة؛ فهي مصدر الشرعيَّة الذي لا يُسأل، والحكم الأعلى الذي لا يُستأنف. يُلاحظ (إرنست كاسيرر - Ernst Cassirer) أنَّ (روسو) لم يُلغِ اللاهوت السياسي، بقدر ما أعاد صياغته في لغة إنسانيَّة؛ حيث حلّت الأمَُّة محلّ الإله، وحلّت الإرادة العامَّة محلّ الوحي.
وعلى المستوى السوسيولوجي، شكّل (ماكس فيبر - Max Weber) منعطفًا حاسمًا في فهم العلاقة بين الدين والسلطة، حين ميّز بين أنماط السيطرة الثلاثة: التقليديَّة، والكاريزميَّة، والقانونيَّة-العقلانيَّة. وقد رأى (فيبر) أنَّ التحديث السياسي يسير حتمًا نحو النمط الثالث، وأنَّ العَلمنة هي مآل لا مفرّ منه لعمليَّة العقلنة الشاملة التي تُفضي إلى إخراج الدين من المجال العام تدريجيًا. وقد تحوّلت هذه الرؤية إلى ما يشبه العقيدة في علم الاجتماع السياسي الغربي لعقود طويلة، قبل أن تتكسّر على صخرة الواقع الذي أبى أن يسير وفق هذا المخطَّط الخطّي.
وجاء (ميشيل فوكو) ليُقلقل البنية من أساسها، ومن داخل الفكر الغربي ذاته. فبتحليله لآليَّات السلطة ومصادرها، أثبت أنَّ السلطة هي شبكة علاقات مُنتشرة في كل نسيج الجسد الاجتماعي. وفي نقده لمفهوم السيادة الكلاسيكي، يعتبر أنّه ينبغي أن نكفّ عن وصف آثار السلطة دائمًا بمصطلحات سلبيَّة: إنَّها تستبعد، وتُكبح، وتقمع، وتُخمد، وتُخفي، وتُموّه. في الواقع، السلطة تُنتج؛ إنَّها تُنتج الواقع. وبهذه الرؤية فتح (فوكو) أُفقًا نقديًّا واسعًا، لكنَّه أوصل في الوقت ذاته إلى مأزق لا مخرج منه: فإذا كانت السلطة في كل مكان ولا مرجعيَّة تعلو عليها، فبأي معيار نحكم عليها ونقاومها؟ وهنا يقف الفكر الغربي ما بعد الحداثي أمام هوّة من النسبيَّة لا يجد ما يُجسّرها.
إنَّ القاسم المشترك بين هذه المذاهب جميعها، على تباين مناهجها وتعدّد منطلقاتها، هو أنَّها جميعًا تُعالج إشكاليَّة السيادة والسلطة والدين من داخل أُفق حضاري خاص، تشكّل في سياق تاريخي محدَّد هو سياق أوروبا ما بعد الإصلاح الديني والثورتين الصناعيَّة والسياسيَّة. ومن هذا السياق الخاصّ استمدّت هذه المذاهب مفاهيمها ومشكلاتها وحلولها. والمشكلة ليست في هذا الخصوص بحدّ ذاته — فكلّ فكر ينبثق من سياق — وإنَّما تكمن المشكلة في ادّعاء الكونيَّة؛ أي في تقديم هذه الإجابات المحليَّة باعتبارها إجابات إنسانيَّة شاملة تصلح لكل زمان ومكان، وتُلزم سائر الحضارات بالخضوع لمعاييرها.
وفوق ذلك، فإنَّ هذه المذاهب تشترك في قُصور أنثروبولوجي جوهري: فهي تنطلق جميعًا من تصوّر للإنسان بوصفه كائنًا يسعى إلى المصلحة والحقوق وتحقيق الذات، مُجرَّدًا من بُعده الروحي ومن انتمائه إلى منظومة معنى تتجاوز الفردي والآني. وحين تُبنى نظريَّة السياسة على هذا الإنسان المُجتزأ، تأتي السلطة ناقصة والسيادة مُعلّقة في الهواء والقانون مجرّدًا من الغاية. وهذا هو بالضبط ما نحاول هنا كشفه: أنَّ النقد الفلسفي للمذاهب الغربيَّة هو دعوة إلى عقل أكثر اتساعًا وأعمق جذورًا، عقل لا يُبتر فيه الإنسان عن غايته ولا السياسة عن الأخلاق ولا السلطة عن المعنى.
ثانيًا: المنظور الإسلامي بديلًا وناقدًا
إذا كان النقد وحده لا يكفي لبناء موقف فكري متماسك، فإنَّ التأصيل هو الوجه الآخر الضروري لأي مشروع فلسفي جاد. والتأصيل الذي نعنيه هنا ليس نوستالجيًّا إلى ماضٍ مُثالي، ولا دفاعًا انفعاليًا عن الهُويَّة في مواجهة الآخر، وإنَّما هو استخراج منهجي للمفاهيم الإسلاميَّة الكبرى من رواسبها التاريخيَّة وإعادة تشغيلها بوصفها أدوات تحليليَّة حيَّة قادرة على الاشتباك مع الأسئلة الراهنة بمنطقها الداخلي الخاص. والمدرسة الفلسفيَّة الإسلاميَّة تمتلك في هذا الشأن رصيدًا معرفيًا عميقًا، تشكّل عبر قرون من الاشتغال المتواصل على مسائل الوجود والإنسان والسلطة والغاية، وبلغ في العصر الحديث ذروةً إبداعيَّة على يد مُفكِّرين من طراز العلامة السيد (محمد حسين الطباطبائي) والشهيد (مرتضى مطهري) وغيرهما ممن جمعوا بين عمق التراث ويقظة الحاضر.
إنَّ أوَّل ما يُميّز هذا المنظار الفلسفي في معالجة إشكاليَّة السيادة والسلطة هو أنَّه ينطلق من الأنطولوجيا. فالسؤال عن السلطة مسبوق عنده بسؤال أعمق: ما طبيعة الإنسان؟ وما غايته الوجوديَّة؟ وما الصلة بين عالم الشهادة وعالم الغيب في تشكيل النظام الاجتماعي؟ يُؤسّس العلامة (الطباطبائي) رؤيته الاجتماعيَّة والسياسيَّة على مفهوم الفطرة الإنسانيَّة بوصفه المنطلق الحقيقي لكل نظريَّة في الاجتماع البشري، فيرى أنَّ الإنسان مدني بالفطرة لا بالاضطرار، أي أنَّ ميله إلى الاجتماع نابع من عمق تكوينه الوجودي لا من حاجة آنيَّة تدفعه إلى التعاقد مع أمثاله. وفي هذا التأسيس يتجلَّى الفارق الجذري بين التصوّر الإسلامي الفلسفي والتصوّر الغربي الحديث؛ فالعقد الاجتماعي عند (هوبز) و(لوك) و(روسو) ينبثق من وضع افتراضي يكون فيه الأفراد منفصلين ومتنافسين بطبيعتهم، في حين أنَّ (الطباطبائي) يجعل الاجتماع شرطًا وجوديًّا سابقًا على أي تعاقد، ما يمنح السلطة طابعًا عضويًّا لا تعاقديًّا وغائيًّا لا إجرائيًّا.
وعلى هذا الأساس الأنطولوجي، يبني الشهيد (مرتضى مطهري) نظريَّته في العدل بوصفه المفهوم المحوري الذي يُنظّم العلاقة بين السيادة والسلطة والدين. فالعدل عند هو معيار موضوعي ثابت يعلو على إرادة الحاكم وإرادة المحكوم معًا، مستمدٌّ من البنية الخُلُقيَّة للوجود ذاته. فالعدل في الإسلام ليس مفهومًا اعتباريًّا تضعه الإرادة البشريَّة وترفعه، وإنَّما هو حقيقة ثابتة في نظام الخلق، وعلى هذا الأساس تكون السلطة العادلة سلطةً منسجمة مع حركة الوجود، والسلطة الجائرة سلطةً مضادَّة لهذه الحركة في جوهرها. وهذا التأسيس يمنح النقد السياسي في الفكر الإسلامي الشيعي عمقًا فلسفيًّا يتجاوز حدود الشرعيَّة الإجرائيَّة التي تكتفي بها الليبراليَّة؛ فالسلطة لا تُشرعنها الانتخابات وحدها ولا تُسقطها المعارضة وحدها، وإنَّما يُشرعنها التزامها الموضوعي بالعدل بوصفه معيارًا كونيًّا.
وفي هذا السياق بالذات، يبرز إسهام الإمام (علي الخامنئي) (رضوان الله تعالى عليه) في تطوير نظريَّة السيادة الشعبيَّة الدينيَّة بوصفها محاولة جادَّة للتوفيق بين مقتضيات الولاية ومتطلّبات الإرادة الشعبيَّة في إطار فلسفي متماسك. فالشهيد (خامنئي) لا يرى في الشعبيَّة والدينيَّة تناقضًا ينبغي حلّه بتغليب أحدهما على الآخر، بل يراهما بُعدَين متلازمَين لحقيقة واحدة؛ إذ إنَّ الشرعيَّة السياسيَّة في منظوره تقوم على ركيزتين لا تنفصلان: الركيزة الإلهيَّة المتمثِّلة في الانضباط بالشريعة والانتساب إلى الولاية، والركيزة الشعبيَّة المتمثِّلة في القبول الحُرّ للمجتمع وإرادته الفاعلة في صياغة حياته السياسيَّة. إنَّ الجمهوريَّة الإسلاميَّة تعني أن الشعب هو الذي يُدير شؤون حياته لكن في إطار الإسلام، وهذان البُعدان هما وجهان لحقيقة واحدة تجعل من السلطة خادمةً للإنسان في أُفقه الدنيوي ومنسجمةً مع غايته في أُفقه الأعلى. وما يُميّز هذا الطرح فلسفيًا هو أنه يرفض ثنائيَّة الثيوقراطيَّة والديمقراطيَّة التي يُحاصر بها الخطاب الغربي أي نموذج سياسي إسلامي، ليُقدّم بدلًا منها نموذجًا يجعل من الشعبيَّة شرطًا للشرعيَّة لا نقيضًا لها، ومن الدينيَّة ضابطًا للسلطة لا مُصادِرًا للإرادة. وفي هذا التركيب يتجاوز الفكر السياسي الشيعي المعاصر معضلة الاختيار بين الحريَّة والشريعة ليطرح سؤالًا أعمق: كيف تكون الحريَّة الحقيقيَّة مشروطةً بالانتساب إلى منظومة قيم تتجاوز الإرادة الفرديَّة المتقلبة دون أن تُلغيها؟
ومن هنا تنبثق في الفكر السياسي الإسلامي إشكاليَّة الولايَّة بأبعادها الفلسفيَّة العميقة، والتي تتجاوز ما أسّسه بعض الفقه السياسي في الإسلام في هذا الشأن. فالولايَّة في منظار الفلسفة الإسلاميَّة لها بُعدان متلازمان لا ينفصلان: بُعد تكويني يتعلق بالقيادة الروحيَّة والمعرفيَّة للمجتمع نحو كماله الوجودي، وبُعد تشريعي يتعلق بإدارة الشأن العام وتحقيق العدل. وقد أعاد الإمام (الخميني) صياغة هذا المفهوم في نظريَّة ولايَّة الفقيه جامعًا بين البُعدَين في سياق الغيبة الكبرى، مستندًا إلى أن الفقيه الجامع للشرائط يمتلك من حيث المبدأ ما للنبي والإمام من الولايَّة في تدبير أمور المجتمع وإقامة العدل، وإن افترق عنهما في المرتبة الوجوديَّة والعصمة. وقد أثارت هذه النظريَّة جدلًا فلسفيًا وفقهيًا واسعًا داخل الفكر الشيعي ذاته، وهو جدل صحي يكشف عن حيويَّة هذه المنظومة وقدرتها على مساءلة نفسها.
وفي معرض هذا الجدل الداخلي يبرز موقف فلسفي بالغ الأهميَّة يُمثّله السيد (محمد باقر الصدر) الذي آثر أن يُؤسّس نظريته السياسيَّة على مفهوم "خلافة الإنسان" بدلًا من أن يقتصر على مفهوم الولايَّة. فهو يرى أن القرآن الكريم حين يُخبر عن استخلاف الإنسان في الأرض إنما يُؤسّس لنظريَّة كاملة في السيادة والسلطة: سيادة الله المطلقة من جهة، وتفويض الإنسان بوصفه خليفة مسؤولًا من جهة أخرى. فالإسلام لا ينفي دور الأمة في صياغة حياتها السياسيَّة، وإنما يُؤسّس لهذا الدور تأسيسًا حقيقيًا حين يجعل الاستخلاف مسؤوليَّة جماعيَّة لا امتيازًا فرديًا. وفي هذه الصياغة تتجاوز النظريَّة الإسلاميَّة ثنائيَّة الثيوقراطيَّة والديمقراطيَّة التي يُحاصرها بها الخطاب الغربي، لتُقدّم نموذجًا ثالثًا لا يُلغي فيه الحكم الإلهي أهليَّة الإنسان ولا تُلغي فيه أهليَّة الإنسان المرجعيَّة الإلهيَّة.
وعلى الصعيد المعرفي تحديدًا يُقدّم العلامة (الطباطبائي) في تفسيره الكبير ومؤلفاته الفلسفيَّة إسهامًا نادرًا في ربط نظريَّة المعرفة بنظريَّة السياسة؛ إذ يُبيّن أنَّ أزمة السلطة في الحداثة الغربيَّة هي في جوهرها أزمة معرفيَّة قبل أن تكون أزمة سياسيَّة. فحين انقطعت المعرفة البشريَّة عن مصادر الوحي وادّعت الاكتفاء بالعقل المجرَّد، وجدت نفسها أمام سؤال لا تُجيب عنه: ما الذي يُلزم الحاكم بالعدل حين لا توجد مرجعيَّة تعلو على إرادته؟ وما الذي يُلزم الأغلبيَّة بصون حقوق الأقلّيَّة حين لا يوجد معيار يسبق التصويت ويتجاوزه؟ إنَّ الإنسان حين يَعزِل الوحي عن دائرة المعرفة لا يرتقي إلى الحُريَّة بل ينزل إلى الوصاية — وصاية الهوى على العقل والقوَّة على الحق.
إذن، إنَّ ما تُقدّمه هذه المنظومة الفلسفيَّة ليس مجرَّد بديل أيديولوجي عن النماذج الغربيَّة، وإنَّما هو مشروع معرفي متكامل يُعيد صياغة الأسئلة قبل أن يُعيد صياغة الإجابات. فهو لا يسأل: كيف نُنظّم السلطة؟ بل يسأل قبل ذلك: ما الإنسان الذي ستُنظَّم السلطة من أجله؟ وما الغاية التي ستُوجَّه السلطة نحوها؟ وما المعرفة التي ستُضبط السلطة بمعاييرها؟ وفي هذا التقديم للسؤال الفلسفي على السؤال الإجرائي، يكمن الأثر الأعمق والأكثر ديمومة لهذا التراث في مواجهة أزمات الفكر السياسي المعاصر.
ثالثًا: مقارنة وتركيب
بعد أن استعرضنا المذاهب الغربيَّة الكبرى في ميزان النقد، وعرضنا المنظار الإسلامي الفلسفي بديلًا مُؤسّسًا لا مجرد موقف دفاعي، تبقى خطوة ثالثة لا غنى عنها في أي مشروع فكري يدّعي الأمانة المنهجيَّة: وهي الوقوف عند نقاط التماس بين المنظومتين، وتشريح مواضع الاتفاق والافتراق بعين فلسفيَّة لا تُسرع إلى الإدانة ولا تُبادر إلى الإطراء.
ولعلَّ أوَّل ما ينبغي الإقرار به في هذا السياق هو أنَّ الإشكاليَّات الكبرى التي تشغل الفلسفة السياسيَّة الغربيَّة الحديثة هي في جوهرها إشكاليَّات إنسانيَّة مشتركة طرحتها الحضارات المختلفة بصياغات متباينة. كيف تُمارَس السلطة دون أن تتحوّل إلى استبداد؟ وكيف يُحمى الفرد من طغيان الجماعة والجماعة من تفكّك الفرد؟ وكيف تستمدّ القاعدة القانونيَّة مشروعيَّتها وتُلزم من لم يوافق على سنّها؟ هذه الأسئلة كانت حاضرة في الفقه الإسلامي وفي الفلسفة الإسلاميَّة قبل أن تُصاغ بلغة الحداثة الغربيَّة، وحقيقة اشتراكها تعني إمكانيَّة الحوار الحقيقي الذي يتجاوز مستوى المناظرة الخطابيَّة إلى مستوى التفكير المشترك.
لكن ما يكشف عنه التأمّل المعمّق في هذا التاريخ الفكري المشترك أمر أشدّ إثارة وأكثر دلالة: وهو أنَّ الفكر السياسي الغربي الحديث قد استعار من التراث الإسلامي مفاهيم وبنى فكريَّة جوهريَّة دون أن يُقرّ بهذه الاستعارة أو يُسمّيها. فمبدأ سيادة القانون وعلوّه على إرادة الحاكم، الذي يُعدّ اليوم ركيزة الليبراليَّة السياسيَّة، كان قد أرسى الفقه الإسلامي أُسسه الفلسفيَّة قبل ذلك بقرون حين جعل الشريعة سابقة على السلطة وحاكمة عليها لا صادرة عنها. ومبدأ المحاسبيَّة وأحقّيَّة الأُمَّة في مساءلة الحاكم وعزله الذي يُقدَّم باعتباره إنجازًا غربيًّا خالصًا، نجد له جذورًا راسخة في نظريَّة الإمامة والخلافة عند الفقهاء المسلمين حين اشترطوا في الحاكم شروطًا وجعلوا للأُمَّة حقّ الاعتراض عند الإخلال بها.
وهذا لا يعني بالطبع التهوين من الإنتاج الغربي في بناء نظريَّاته السياسيَّة، وإنَّما يعني أنَّ تاريخ الأفكار أكثر تشابكًا وتداخلًا ممَّا تُوهم الروايات القوميَّة الكبرى لكل حضارة عن نفسها. والوعي بهذا التشابك ضروري للحوار النقدي الحقيقي؛ إذ يُخفّف من حدّة الاستقطاب الحضاري، ويفتح فضاءً للتفكير المشترك في الأسئلة الإنسانيَّة الكبرى التي لا تملك حضارة واحدة ادّعاء احتكار الإجابة عنها.
بيد أنَّ الحوار النقدي يقتضي في الوقت ذاته تسمية ما يفتقده النموذجان معًا دون مجاملة أو تهرّب. فالنموذج الغربي في صيغته الليبراليَّة الراهنة يعاني من فقر أنثروبولوجي بنيوي كما أشرنا؛ إذ يبني منظومته السياسيَّة على فرد منزوع الغاية، حقوقه مضمونة وطموحاته مكفولة لكن وجوده مُعلَّق في هواء المعنى. وحين تنقطع السياسة عن الغاية الوجوديَّة للإنسان تتحوّل إلى تقنيَّة إدارة للمصالح، وتتحوّل الحُريَّة من قيمة روحيَّة إلى سلعة تتوزّعها السوق. وقد رصد هذه الأزمة من داخل الفكر الغربي ذاته المُفكِّر الكندي (تشارلز تايلر-Charles Taylor) حين حذّر من أن الحداثة السياسيَّة الغربيَّة تُنتج فردانيَّة ناعمة تُجرّد الحياة من معناها وتُضعف الانتماء إلى أي أُفق من المعنى يتجاوز الذات وإشباع رغباتها.
والنموذج الإسلامي من جهته لا يخلو هو الآخر من إشكاليَّات حقيقيَّة تستدعي المصارحة لا المراوغة. فعلى الرغم من غنى المفاهيم الفلسفيَّة التأسيسيَّة التي يحملها هذا التراث، لكنَّ التطبيقات التاريخيَّة لهذه المفاهيم جاءت في أحيان كثيرة دون مستواها الفلسفي. وظلّت مسألة المَأسَسَة — أي كيف تتحوّل المفاهيم إلى آليات وإجراءات وضمانات مؤسّسيَّة — من أكثر المسائل التي أثقل فيها غياب الحلول العمليَّة على المشروع السياسي الإسلامي. فالقول إنَّ السلطة مقيّدة بالشريعة يظل ناقصًا ما لم تُوجد آليات مؤسّسيَّة محدّدة تُترجم هذا القيد إلى واقع فعلي يحول دون الاستبداد باسم الدين.
وما يفتقده النموذجان معًا — وهذا هو الأعمق دلالةً في هذه المقارنة — هو القدرة على التفكير في السياسة انطلاقًا من الإنسان الكامل لا من صورة مُجتزأة عنه. فالنموذج الغربي يأخذ الإنسان الاقتصادي أو الإنسان الحقوقي مدخلًا وحيدًا لنظريته السياسيَّة، والنموذج الإسلامي في صيغه الفقهيَّة الكلاسيكيَّة يكتفي أحيانًا بالإنسان المكلَّف المُلتزم بفعل الواجبات وتجنّب المحرمات. في حين أن الإنسان الحقيقي هو ذلك الكائن الوجودي الذي يسعى في آنٍ واحد إلى الأمن والكرامة والانتماء والمعنى والتجاوز؛ وأي نظريَّة سياسيَّة لا تستوعب هذا الثراء الأنثروبولوجي ستظلّ قاصرة مهما بلغت من الدقة في صياغة مبادئها وإجراءاتها. وهنا تحديدًا يكمن الأُفق الذي يمكن لهذا البحث أن يُرسمه: أُفق تفكير سياسي يأخذ الإنسان بكامل أبعاده الروحيَّة والعقليَّة والاجتماعيَّة منطلقًا، ويجعل من السلطة خادمةً لهذا الإنسان الكامل لا وصيَّة على بعض جوانبه دون سواها.
رابعًا: أفق البديل الحضاري
إذا كانت الفلسفة في أرقى تجلّياتها إنتاجًا لأسئلة جديدة تُقلقل اليقينيات الزائفة، وتفتح الأُفق أمام إمكانات لم تكن مرئيَّة، فإنَّ ما سعى إليه هذا البحث هو بالضبط هذا النوع من التفكير: لم نقصد تقديم إجابات نهائيَّة في مسائل ظلت الإنسانيَّة تتصارع معها عبر قرون، بل قصدنا إلى إعادة طرح الأسئلة الصحيحة، وكشف المسلّمات المضمرة في الإجابات الجاهزة، وفتح فضاء للتفكير المشترك يتجاوز ثنائيَّات الحرب الباردة الحضاريَّة التي تُلقي بظلالها على كثير من النقاشات الراهنة عن السيادة والسلطة والدين.
لقد تبيّن لنا عبر مسار هذه الافتتاحيَّة أنَّ الأزمة التي تعيشها المنظومة السياسيَّة المعاصرة — سواء في تجلياتها الغربيَّة أم في بعض تجلّياتها التي تدّعي الاستلهام من التراث الإسلامي، هي أزمة فلسفيَّة في صميم الرؤية إلى الإنسان وإلى الغاية من الاجتماع السياسي. وما لم تُعالج هذه الأزمة في عمقها الفلسفي ستظلّ الحلول التقنيَّة المقترحة تعالج الأعراض وتترك الداء متجذِّرًا. فعلينا أن نتذكَّر دائمًا أنَّ الأنظمة السياسيَّة هي تجسيدات لرؤى فلسفيَّة عن طبيعة الإنسان والخير المشترك، ومن ثَمّ فإنَّ أزمة النظام هي دائمًا في عمقها أزمة الفلسفة التي تقوم عليه.
ومن هذا المنطلق يمكن تحديد ما يعنيه البديل الحضاري الذي ندعو إليه هنا بدقَّة أكبر. فهو ليس دعوة إلى إحياء نموذج تاريخي بعينه، كالخلافة في صورتها الكلاسيكيَّة أو الدولة الدينيَّة بمفهومها الحرفي، كما أنَّه ليس دعوة إلى استنساخ النموذج الليبرالي الغربي بعد تجميله بآيات قرآنيَّة ومصطلحات إسلاميَّة. البديل الحضاري الذي نعنيه هو مشروع فكري من طبيعة مختلفة: إنَّه الانطلاق من عمق التراث الفلسفي الإسلامي، بكلّ ما يحمله من رؤية للإنسان والوجود والغاية، لإنتاج مفاهيم جديدة قادرة على معالجة مشكلات جديدة. إنَّه ما يمكن تسميته بالاجتهاد الفلسفي — لا الاجتهاد الفقهي وحده — أي إعادة تشغيل الطاقة التفكيريَّة للتراث في مواجهة أسئلة لم يعهدها الفقهاء الكلاسيكيّون بصيغتها الراهنة.
وهذا المشروع يستلزم شجاعة مزدوجة نادرًا ما تجتمعان: شجاعة نقد التراث من داخله دون الانقطاع عنه، وشجاعة الاستفادة من الآخر دون الذوبان فيه. فالنقد الداخلي للتراث ضرورة منهجيَّة؛ إذ لا يمكن استعادة الطاقة الإبداعيَّة لأي تراث دون الاعتراف بما تراكم عليه من تأويلات مُضيِّقة ومن توظيفات سلطويَّة أفقدته جزءًا من بُعده التحرّري الأصيل. والشهيد (الصدر) يُنبّه إلى هذا البُعد حين يُفرّق بين ما هو إسلامي في جوهره وما هو تاريخي في تشكّله، مُصرًّا على أنَّ المسلم المُفكِّر لا يقدّس التاريخ الإسلامي وإنَّما يقدّس الإسلام، وبين الأمرين مسافة ينبغي ألا تُردم بالتهاون مع النقد ولا بالتوهم أن كل ما جرى في تاريخنا كان مُعبِّرًا أمينًا عمّا جاء به الإسلام.
وفي المقابل، فإنَّ الاستفادة من التجربة الإنسانيَّة المشتركة — بما فيها التجربة الغربيَّة في بناء المؤسَّسات وصياغة الضمانات الحقوقيَّة — لا تعني التبعيَّة الفكريَّة بقدر ما تعني الوعي بأنَّ الإنسانيَّة تتعلَّم من تجاربها المتراكمة. لكن هذه الاستفادة ينبغي أن تجري بشرط جوهري واحد: أن تنطلق من الداخل لا من الخارج؛ أي أن يكون المُفكِّر الإسلامي هو الذي يذهب إلى التجربة الغربيَّة بأسئلته الخاصَّة وباحثًا عن ما يُعينه في حلّ إشكاليَّاته المحدَّدة، لا أن يستقبل هذه التجربة بوصفها حلًا جاهزًا يُجيب عن أسئلة لم يطرحها هو أصلًا. فثمَّة فرق جوهري بين من يقرأ (كانط-Immanuel Kant) و (هيغل - Georg Hegel) و (راولز - John Rawls) بعيون مشبعة (بالطباطبائي) و(مطهري) و(الصدر)، وبين من يقرأ التراث الإسلامي بعيون مشبعة (بكانط) و(هيغل) و(راولز.)
ويبقى السؤال الأصعب في نهاية هذا المسار: من يحمل هذا المشروع ويُنجزه؟ إنَّ البديل الحضاري يتشكّل ببطء وبصبر على طاولات البحث، وفي حجرات الدرس، وفي صفحات المجلَّات الفكريَّة الجادَّة التي تمتلك الشجاعة على احتضان السؤال الحقيقي. إنَّه مشروع جيل من المُفكِّرين الذين يجمعون بين استيعاب عميق للتراث الفلسفي الإسلامي وبين يقظة حقيقيَّة أمام تحدِّيات العصر، وغير مستعجلين على الإجابة، ولا مُتهرّبين من السؤال. ونحن هنا لا ندّعي أنَّنا نُنجز هذا المشروع، وإنَّما نكتفي بأن نكون خطوة في مساره: خطوة نحو فلسفة سياسيَّة إسلاميَّة تُفكّر بأدواتها الخاصَّة في أسئلة زمانها الراهن، لا خطوة إلى الوراء نحو ماضٍ لا يعود ولا خطوة إلى الأمام في طريق الآخر وحده.
فالحضارة التي لا تُنتج فلسفتها السياسيَّة من عمقها الروحي والمعرفي الخاص ستجد نفسها حتمًا مُستهلِكةً لفلسفة غيرها، ومُدارةً بمفاهيم لم تصنعها لحلّ مشكلات لم تطرحها. وفي هذا بالذات يكمن الرهان الأعمق لكلّ جهد فكري جاد في عالمنا العربي والإسلامي اليوم: أن نكون حاضرين في صناعة المفاهيم لا مجرَّد متلقّين لها، وأن نكون شركاء في الحوار الإنساني الكبير عن السيادة والسلطة والدين، لا مجرَّد موضوع يتحاور الآخرون حوله وعنه.
ومهما يكن من أمر، وفي إطار الخوض في غمار هذا البحث وفتح هذا المسار، جاء هذا العدد من مجلَّة "اعتقاد" ليفتح بابًا للنقاش في هذه الإشكاليَّات، وقد جاءت أبحاث هذا العدد على الشكل الآتي:
في المحور، عالج مجموعة من الأساتذة الأعلام جوانب مختلفة من علاقة الإنسان بالطبيعة، وهم: الباحث د. (سيد حافظ عبد الحميد) (مصر) وبحثه: "الدَّوْلَةُ وَمَصْدَرُ الشَّرْعِيَّةِ فِي الفِكْرِ الدِّيْنِيِّ وَالفَلْسَفَةِ الحَدِيْثَةِ"، و أ.د. (غيضان السيد علي) (مصر) وبحثه: "تَفْكِيْكُ الجَسَدِ السِّيَاسِيِّ: نَقْدُ السِّيَادَةِ عِنْدَ (فوكو) و(أغامبين)"، و د. (ناريمان عامر) (سورية) وبحثها: "تَحَوُّلَاتُ مَفْهُوْمِ السِّيَادَةِ فِي الفِكِرِ الغَرْبِيِّ (كارل شميت) أنَمُوْذَجًا"، والأستاذ (شادي علي) (مصر) وبحثه عن "السِّيَادَةُ وَالعَدْلُ فِيْ الفَلْسَفَةِ الشِّيْعِيَّة: قِرَاءَةٌ فِيْ فِكْرِ (العلامة الطباطبائي) وَ(الشهيد مطهري)"، والشيخ (حسين محمود كوثراني) (لبنان) وبحثه "السِّيَادَةُ الشَّعْبِيَّة الدِّيْنِيَّة فِي فِكْرِ الإِمِامِ الخَامِنَئِيِّ(قده)".
وفي باب دراسات وبحوث، فقد وقع الاختيار على بحث أعدَّه رئيس التحرير الدكتور محمد محمود مرتضى تحت عنوان "الولاية التَّشْرِيْعِيَّة لِلْمَعْصُوْمِ".
أمَّا مراجعة كتاب، فقد اخترنا كتاب "تَنْبِيْهُ الأُمَّة وَتَنْزِيْهُ المِلّة" الذي تكفَّلت بعرضه الكاتبة (لينا السقر) (سورية).
إنَّنا إذ نقدّم هذا العدد، الذي نتمنَّى أنْ ينال اعجاب القراء الذين كلّنا أمل أنَّهم لن يبخلوا علينا بملاحظاتهم القيّمة.
والحمد لله أوًلًا وآخرًا
تبرز الإشكاليَّة في تحوّل مصدر الشَّرعيَّة غربيًا من "الحقّ الإلهي" إلى "العقلانيَّة القانونيَّة" والعقد الاجتماعي، ما أدَّى لـ "نزع القداسة" عن الدولة وتحويلها إلى كيان مادي نفعي يرتكز على السيادة البشريَّة المطلقة. وتكشف الدراسة زيف الحياد في "العقلانيَّة القانونيَّة" الغربيَّة عبر أطروحة اللاهوت السياسي؛ مؤكِّدةً أنَّ مفاهيم الدولة الحديثة ليست إلا "لاهوتٍ مُعَلْمَنًا" استحالت فيه الدولة لكيان سيادي يمارس العنف والاستثناء تحت غطاء العقلانيَّة القانونيَّة. في المقابل، تؤصِّل الدراسة لنموذج "الدولة الشرعيَّة" في الإسلام، ما يدمج بين الدين والسياسة في وحدة معرفيَّة وقيميَّة. وتخلص الدراسة إلى أنَّ استيراد الأنماط الغربيَّة أدَّى لغَيبة الوعي الحضاري وأزمة في الخطاب الإسلامي المعاصر. وتؤكِّد أنَّ الحلَّ يكمن في استعادة الخصوصيَّة المعرفيَّة وربط الدنيوي بالديني، مع ضرورة تفعيل الاجتهاد المعاصر لمواكبة تطوّرات العصر دون الإخلال بالأصول الكليَّة والثابتة للشريعة.
فقدَّم مفهوم "السلطة الحيويَّة" الذي تخترق فيه السلطة الحياة كلّها، بهدف تحسينها، وتنميتها، والحفاظ عليها بديًلا للسلطة السياديَّة التي تتركز في يد قطب واحد يمتلك الحكم والسيادة وتتوخَّى الغلبة والقهر والإماتة. ومن هنا، تحوَّلت السلطة الحيويَّة إلى سلطة انضباطيَّة تعنى بحياة السكَّان بوصفهم الجسد الاجتماعي الذي يخضع للمراقبة، والتنظيم، والاختبار، والتحسين، والحماية بل إخضاع الحياة كلّها لاستراتيجيتها، فتتداخل الحياة مع السياسة. في المقابل، وظَّف (جورجيو أغامبين - Giorgio Agamben) مفهوم "السياسات الحيويَّة" توظيفًا مختلفًا عمَّا استعمله (فوكو)، فقدَّمها بوصفها سياسات للموت؛ لأنَّ إنتاج "الحياة العارية" عنده تجعل الأفراد خاضعين لإمكانيَّة قتلهم والتخلّص منهم. وقد تجاهلت السياسات الحيويَّة عند (فوكو) و(أغامبين) المرجعيات الدينيَّة والخُلُقيَّة، ما شكَّل عوارًا كبيرًا بها؛ لأنَّ السلطة دون مرجعيَّة خُلُقيَّة ودينيَّة قد يؤدّي إلى تبرير الظلم باسم "تنظيم الحياة"، كما أنَّها ساوت –خاصّة عند (أغامبين)- بين الأنظمة الديمقراطيَّة والاستبداديَّة في سلوكها.
يركّز البحث على (كارل شميت- Carl Schmitt) الذي أعاد تعريف السيادة بوصفها قرارًا يتجلّى في حالة الاستثناء، منتقدًا الليبراليَّة لعجزها عن مواجهة الأزمات. ويرى أنَّ كلَّ نظام قانوني يقوم على قرار غير قابل للتبرير الكامل، كما يكشف أنَّ اللاهوت السياسي لديه أداة وظيفيَّة لتبرير السلطة أو نقدها تبعًا للسياق. ويبرز التوتّر في مشروعه بين نقد الليبراليَّة وتوظيف أفكاره في دعم النازيَّة أو نقد الهيمنة الأمريكيَّة. ينتهي النصّ إلى أنَّ السيادة مفهوم متحوّل تحكمه بنى ثابتة، وأنَّ الحاجة إلى القرار يجب أن تقترن بضوابط تمنع الاستبداد مع التأكيد على أنَّ الليبراليَّة رغم ادّعائها العقلانيَّة تخفي لاهوتًا خاصًّا بها، وأنَّ فهم السيادة يتطلّب الجمع بين التحليل الفلسفي والسياق التاريخي والسياسي لفهم حدود القانون والسلطة في العالم المعاصر.
قدَّم (العلامة الطباطبائي) "نظريَّة الاعتباريَّات" التي تبيّن أنَّ العقل العملي يبتكر مفاهيم، كالقانون والسيادة لتنظيم المجتمع، لكن هذا الاعتبار البشري يحتاج للسيادة الإلهيَّة لضمان تفعيل مبدأ العدالة وتحييد تأثير الأهواء الشخصيَّة.
تأسيسًا على هذه الأرضيَّة وجَّه (الشهيد مرتضى مطهري) نقدًا لمنظومة الأنسنة الغربيَّة والديمقراطيَّة الليبراليَّة التي تفصل القيم عن الميتافيزيقا وتؤدّي إلى النسبيَّة الخُلُقيَّة، ومن ثَمَّ طرح نموذج "الحريَّة المسؤولة"؛ حيث يؤصّل ضرورة الارتكاز على الفلسفة الشيعيَّة التي تنطلق من قاعدة "الحسن والقبح العقليين" لإثبات أنَّ العدالة أصل تكويني، وتستند إلى مبدأ "الأمر بين الأمرين" لضمان حريَّة الإنسان ومسؤوليته دون جبر أو تفويض. وبالتالي تقديم مشروع متكامل لسلطة خُلُقيَّة تعتبر السيادة الإلهيَّة الضامن الأكبر للكرامة الإنسانيَّة، وتجعل من العقل المهتدي بالوحي أداة فاعلة لتحقيق العدل الاجتماعي.
تشرح المقالة نشأة المصطلح من تجربة الجمهوريَّة الإسلاميَّة في إيران، وتبيِّن أنَّ السيادة الشعبيَّة الدينيَّة ليست منفصلة عن مفهوم الجمهوريَّة الإسلاميَّة بل توضيحًا له. وترتكز النظريَّة على ثلاث دعائم: حاكميَّة الله المطلقة، ودور الشعب في اختيار المسؤولين وتثبيت النظام عبر الانتخابات، وولاية الفقيه باعتبارها آلية تنفيذيَّة تحفظ الشريعة وتدير الدولة في عصر الغَيبة. كما تعرض المقالة مقارنة نقديَّة مع الديمقراطيَّة الغربيَّة، معتبرة أنَّ الأخيرة تقوم على النسبيَّة الخُلُقيَّة وهيمنة المال والإعلام والتدخّل الخارجي، بينما يربط النموذج الإسلامي الحريَّة بالتكليف، والقِيم الثابتة، والعدالة، والاستقلال، والدفاع عن المظلومين. وتخلص إلى أنَّ هذا النموذج يقدّم بديلًا سياسيًا وخُلُقيًّا معاصرًا ذا طابع حضاري متميِّز.
والواقع أنَّ الأنبياء والرسل إنَّما يستمدّون شرعيَّتهم، ويُثبتون استحقاقهم لهذه المقامات من خلال هذا القرب. كما أنّ الولاية، ببُعدها الآخر، التي تمثِّل السلطنة، لا تبتعد عن المعنى الأوَّل؛ بمعنى أنّ ثمة ترابطًا كبيرًا بين المعنيين، بل يمكن الحديث عن نوع من التلازم بينهما. فولاية السلطة ملازمة لولاية القرب؛ حيث إنَّ الإنسان يحصل على الأُولى بسبب حصوله على الثانية.
ولما كان ارتباط الإمام الوليّ بالله ناتجًا عن القرب، استلزم ذلك علمًا مخصوصًا يُطلق عليه اسم العلم الحضوري، فإنّ هذا الارتباط يؤدِّي إلى معرفة بالواقع وأحكامه؛ أي معرفة بالأحكام الواقعيَّة لا الظاهريَّة وحسب. ولأنّ الحاكميَّة لها هذه الصفة، فمن الطبيعي أن يذهب الإماميَّة إلى القول بالنص على الإمام، شأنها في ذلك شأن النبوّة. ولمَّا كانت النبوَّة، تحتاج إلى علامات تؤكِّد صدق مدّعيها، كالمعجزة وغيرها، كذلك الإمامة. من هنا، نجد أنّ العلم اللدنّي كان من أبرز علامات معرفة مدِّعي الإمامة من غيره.
مُركّزًا على العدالة والمساواة بوصفهما أساسين للحكم العادل، ويناقش كيفيَّة تجنّب الاستبداد وحماية حقوق الشعب وفقًا للمبادئ الشرعيَّة، ويُبرز دور الشورى والإمامة في بناء نظام سياسي قائم على العدالة.
يتناول الكتاب كذلك الشبهات التي تروجها الأنظمة الاستبداديَّة؛ إذ يربط بعضٌ بين الاستبداد والدين، أو يروّجون لمفاهيم مغلوطة عن المساواة والشورى. ومن ثَمَّ، يقدّم الكاتب تفنيدًا دقيقًا لهذه المفاهيم، موضِّحًا ضرورة وجود دستور يحمي حقوق الأفراد ويحدّ من تغوّل السلطة. كما يناقش الكتاب دور الممثِّلين في العمل السياسي، مشدِّدًا على وجوب انتخابهم وفق معايير شرعيَّة ومهنيَّة دقيقة.
الكلمات المفتاحيَّة: ، ، ، ، ، ، ، ، ،
التعليقات