المرأةُ في هذا المقامِ مرآةٌ صافيةٌ تعكسُ عمقَ الرؤيةِ إلى الوجود، وتُظهِرُ ما استقرَّ في وعيِ الحضارةِ من أصولٍ ناظمةٍ للنفسِ والبدنِ والقيمة. وعلى هذا الأصلِ نؤسِّس؛ إذ نجعلُ سؤالَ الأنوثةِ مدخلًا إلى مساءلةِ منظومتينِ كبيرتينِ تتنازعانِ وعيَ الإنسانِ المعاصر: منظومةٍ غربيةٍ رفعَت الحريةَ إلى مقامِ اللاهوت، ومنظومةٍ إسلاميةٍ أقامَت الكرامةَ أساسًا للوجودِ الإنسانيِّ برمَّته.
جاء "لاهوتُ الأنوثة" حاملًا لتوتُّرٍ عميقٍ يسري في صميمِ الثقافةِ الحديثة. فالحريةُ والكرامةُ لفظتانِ تتردَّدانِ في كلِّ خطابٍ عن المرأة، على أنَّ كلًّا منهما ينهضُ على أرضٍ ميتافيزيقيةٍ مغايرة. فحين تُؤخَذُ الحريةُ أصلًا مطلقًا تُصيِّرُ الإنسانَ خالقًا لذاته، صانعًا لماهيَّتِه على غيرِ مثالٍ سابق. وحين تُؤخَذُ الكرامةُ أصلًا مؤسِّسًا تجعلُ الإنسانَ مُكرَّمًا في أصلِ خِلقتِه، حاملًا لقيمةٍ مغروسةٍ في وجودِه قبلَ كلِّ فعلٍ وكلِّ كسب. وبينَ هذين الأصلينِ تتشكَّلُ صورتانِ للأنوثة: صورةٌ تنبثقُ من إرادةٍ تصنعُ نفسَها في فراغِ المعنى، وصورةٌ تتفتَّحُ من كرامةٍ تُودَعُ في النفسِ منذُ نشأتِها الأولى.
يقتضي النظرُ الرصينُ في هذه المسألةِ منهجًا يقرأُ التجلِّياتِ من خلالِ أصولِها. فالمواقفُ من المرأةِ والجسدِ ثمراتٌ تنبتُ من جذورٍ ميتافيزيقيةٍ عميقة، والوقوفُ عندَ الثمارِ وحدَها يُبقي النظرَ في السطح. لذلك نسلكُ هنا طريقَ الردِّ إلى الأصول، فنتتبَّعُ صورةَ الأنوثةِ في الوعيِ الغربيِّ صعودًا إلى منابعِها في الحداثةِ الفلسفية، ونُقيمُ إزاءَها الرؤيةَ الإسلاميةَ منحدرةً من أصولِها في الحكمةِ المتعالية. بهذا المنهجِ التأسيسيِّ يصيرُ الحوارُ بين المنظومتينِ حوارَ ميتافيزيقا بميتافيزيقا، وحوارَ أصلٍ بأصلٍ، يتجاوزُ حوارَ الأحكامِ المتناثرةِ الدائرةِ على السطح.
يحملُ سؤالُ الأنوثةِ في زمنِنا شحنةً حضاريةً تتجاوزُ حدودَ الجدلِ الفكريِّ إلى ميدانِ صراعِ الوعي. فصورةُ المرأةِ صارَتْ في العصرِ الحاضرِ موضعَ اشتباكٍ بين رؤيتينِ للإنسانِ والوجود، وميدانًا تُخاضُ فيه معركةُ المعنى بأدواتِ الثقافةِ والإعلامِ والرمز. تنتقلُ المقولاتُ الغربيةُ عن الأنوثةِ والجسدِ إلى الوعيِ العربيِّ والإسلاميِّ محمولةً على تيارٍ جارفٍ من الصورِ والخطابات، فتُعيدُ تشكيلَ التصوُّراتِ من داخلِها في صمتٍ يخفى على كثيرٍ من المتلقِّين.
أولًا: نشأةُ «الأنوثة» مفهومًا في الوعيِ الغربيِّ
يبدأُ فهمُ التجلِّياتِ الغربيةِ للأنوثةِ من إدراكِ اللحظةِ التأسيسيةِ التي انبثقَ فيها التصوُّرُ الحديثُ للطبيعةِ والجسد. فالحداثةُ الفلسفيةُ نشأَتْ مشروعَ سيطرةٍ على العالَم، وحملَتْ في صميمِها رؤيةً تجعلُ المعرفةَ أداةَ اقتدارٍ وتسخير. أعلنَ (فرانسيس بيكون-Francis Bacon) (1561–1626) أنَّ المعرفةَ قوةٌ، وصاغَ العلمَ الحديثَ على مثالِ استنطاقِ الطبيعةِ وانتزاعِ أسرارِها منها انتزاعًا. وفي هذا الخطابِ التأسيسيِّ حضرَتِ الطبيعةُ أنثى تُستَنطَقُ وتُروَّض، فاقترنَتْ صورةُ الأنوثةِ منذُ البدءِ بموقعِ المادةِ الخاضعةِ للتشكيلِ والتصرُّف.
سبقَ هذا التحوُّلَ في العلمِ تحوُّلٌ في النظرِ إلى الطبيعةِ نفسِها. فالطبيعةُ في التصوُّرِ القديمِ نظامٌ مخلوقٌ حاملٌ لغايةٍ ومعنًى، ومسكونٌ بالأسرارِ والدلالات. وفي الحداثةِ صارَتِ الطبيعةُ مادةً صامتةً خاضعةً لقوانينِ الحركةِ والكمِّ، مُفرَّغةً من الغايةِ والمعنى، مُتاحةً للقياسِ والتسخير. انسحبَ المقدَّسُ من العالَمِ وصارَ الكونُ آلةً كبرى تُدارُ من خارجِها. وفي هذا الأفقِ الجديدِ وجدَتِ الأنوثةُ المقترنةُ بالطبيعةِ والجسدِ موقعَها في مرتبةِ المادةِ المُدبَّرة، فورِثَتْ من هذا التحوُّلِ صورةَ الموضوعِ الخاضعِ للفاعلِ العارف.
ثمَّ جاءَ (رينيه ديكارت-René Descartes) (1596–1650) فأحكمَ القسمةَ بين جوهرينِ متباينَينِ: نفسٍ عاقلةٍ هي مناطُ الوجودِ الأصيل، وبدنٍ ممتدٍّ يجري مجرى الآلة. صارَ الجسدُ في هذه القسمةِ امتدادًا صامتًا خاضعًا لقوانينِ الحركةِ والميكانيك، مفصولًا عن معناه الرمزيِّ والوجوديِّ فصلًا حادًّا. وحين استقرَّ الجسدُ في مرتبةِ الآلةِ، استقرَّتِ المرأةُ التي رُبطَتْ صورتُها بالجسدِ في المرتبةِ عينِها، فورِثَتْ من الميتافيزيقا الحديثةِ موقعَ المادةِ المُدبَّرةِ من خارجِها.
أفرزَتْ هذه القسمةُ صورةً للذاتِ الحديثةِ تقومُ على مركزيةِ العقلِ المُفكِّر. صارَتِ الذاتُ العارفةُ مركزَ اليقينِ ومصدرَ المعنى، ووقفَ في مقابلِها عالَمٌ من الموضوعاتِ الممتدةِ الخاضعةِ لنظرِها وتصرُّفِها. احتلَّتِ الذكورةُ في الوعيِ الثقافيِّ موقعَ العقلِ الفاعلِ والذاتِ العارفة، ووُضِعَتِ الأنوثةُ في موقعِ الطبيعةِ والجسدِ والموضوعِ المعروفِ للنظر. ترسَّخَ بهذا التوزيعِ سُلَّمٌ قِيميٌّ يرفعُ العقلَ فوقَ الجسدِ والفاعلَ فوقَ المنفعل، ويُنزِلُ الأنوثةَ في المرتبةِ الدنيا من هذا السُّلَّم. ومن رحمِ هذا التوزيعِ نشأَ لاحقًا خطابُ التحرُّرِ الذي طلبَ للمرأةِ موقعَ الذاتِ الفاعلة، على أنَّه ظلَّ أسيرَ الأصلِ الميتافيزيقيِّ الذي جعلَ القيمةَ رهينةَ العقلِ والإرادةِ والسيطرة.
بهذا التأسيسِ المزدوج — علمِ السيطرةِ عندَ (بيكون)، وثنائيةِ الجوهرِ عندَ (ديكارت) — تهيَّأتِ الأرضيةُ التي نبتَ فيها مفهومُ «الأنوثة» في الوعيِ الغربيّ. صارَتِ الأنوثةُ اسمًا لطبيعةٍ تُروَّضُ ولجسدٍ يُدار، وانفتحَ البابُ أمامَ مسيرةٍ طويلةٍ تُحوِّلُ المرأةَ من كائنٍ ذي معنًى وجوديٍّ إلى موضوعٍ قابلٍ للتشكيلِ وفقَ إرادةِ الفاعل. وفي هذا الأصلِ الميتافيزيقيِّ يكمنُ مفتاحُ قراءةِ ما تلاه من تحوُّلاتٍ في الفكرِ الغربيِّ عن المرأةِ والجسد.
ثانيًا: من الجسدِ (الآلةِ) إلى الجسدِ (المشروعِ)
انتقلَ الوعيُ الغربيُّ من تصوُّرِ الجسدِ آلةً خاضعةً لقوانينِ الطبيعةِ إلى تصوُّرِه مشروعًا مفتوحًا خاضعًا لإرادةِ صاحبِه. تحقَّق هذا الانتقالُ على يدِ الفلسفةِ الوجوديةِ ثمَّ ما بعدَ الحداثة، فبلغَ الجسدُ في نهايةِ المسارِ موقعَ الساحةِ التي تُمارَسُ عليها الحريةُ المطلقةُ في صناعةِ الذات.
مهَّدَ لهذا التحوُّلِ تصاعدُ حضورِ الجسدِ والرغبةِ في قلبِ صورةِ الإنسان. جعلَ (سيغموند فرويد-Sigmund Freud) (1856–1939) الرغبةَ الجنسيةَ محرِّكًا خفيًّا للنفسِ ومنبعًا لأفعالِها، فصارَ الجسدُ موضعَ اللا وعيِ ومسرحَ صراعاتِه. ومضى (جاك لاكان-Jacques Lacan) (1901–1981) في هذا الاتجاهِ، فجعلَ الرغبةَ بنيةً رمزيةً تتشكَّلُ في حقلِ اللغةِ والغياب. تقدَّمَ الجسدُ بهذا كلِّه إلى مركزِ الحديثِ عن الذات، وصارَتِ الأنوثةُ حقلًا تتنازعُه قراءاتُ الرغبةِ واللغةِ والسلطة.
وهكذا أرسَتْ (سيمون دي بوفوار- Simone de Beauvoir) (1908–1986) القاعدةَ التي قامَ عليها هذا التحوُّل، حين جعلَتِ الأنوثةَ صيرورةً ثقافيةً تُكتَسبُ بالتربيةِ والتاريخِ والمواضعة. صارَتِ المرأةُ عندَها نتاجَ تشكيلٍ اجتماعيٍّ يُصاغُ صياغةً، وانفتحَتِ الأنوثةُ على أفقِ الصنعةِ والاختيارِ بعدَ أن كانت تُنسَبُ إلى أصلٍ طبيعيّ. ومن هذه القاعدةِ استمدَّ الخطابُ اللاحقُ جرأتَه على فصلِ المعنى الأنثويِّ عن مُعطًى سابقٍ كلِّه على الفعلِ الإنسانيّ.
ثمَّ جاءَ (ميشيل فوكو- Michel Foucault) (1926–1984) فجعلَ الجسدَ موضعًا تنعقدُ عليه شبكاتُ السلطةِ والانضباطِ والخطاب. صارَ الجسدُ عندَه أثرًا لعلاقاتِ القوَّةِ التي تخترقُه وتُنتِجُه وتُعيدُ رسمَ حدودِه، وانحلَّتِ الطبيعةُ الثابتةُ في سيلانِ التاريخِ والممارساتِ والمعارف. وعلى هذه الأرضيةِ بنَتْ (جوديث بتلر- Judith Butler) نظريةَ الأداءِ الجندريِّ، فجعلَتِ الهُويَّةَ الجنسيةَ فِعلًا يُؤدَّى ويُكرَّرُ حتى يترسَّخَ في هيئةِ ماهيَّةٍ ثابتة. صارَ الجندرُ عندَها أداءً متجدِّدًا تصنعُه اللغةُ والفعل، وبلغَ الجسدُ ذروةَ تحوُّلِه إلى مشروعٍ مفتوحٍ على التأويلِ والصياغةِ على الدوام.
تنطوي هذه الصيرورةُ على مفارقةٍ عميقةٍ تسكنُ صميمَها. فالذاتُ التي طلبَتِ التحرُّرَ من أصلٍ طبيعيٍّ كلِّه وجدَتْ نفسَها مصنوعةً بالقوى التي زعمَتِ السيطرةَ عليها: صنعَتها الثقافةُ في خطابِ (بوفوار)، وأنتجَتها السلطةُ في تحليلِ (فوكو)، وأدَّتها اللغةُ في نظريةِ (بتلر). كلَّما تعمَّقَ مطلبُ صناعةِ الذات، تعمَّقَ ذوبانُها في شبكةِ العلاقاتِ والخطاباتِ التي تُشكِّلُها من خارجِها. تحوَّلَتِ الأنوثةُ في هذا الأفقِ إلى موقعٍ متحرِّكٍ تتنازعُه القوى، مفتوحٍ على إعادةِ التشكيلِ الدائمِ في غيرِ استقرارٍ على حقيقة. وبهذا المآلِ تكشفُ فلسفةُ الصنعةِ عن حدِّها الداخليِّ؛ إذ الحريةُ التي تُبنى على محضِ الصيرورةِ تُسلِمُ صاحبَها إلى تيهٍ دائمٍ في طلبِ هُويَّةٍ تتجدَّدُ صورتُها في كلِّ لحظة.
بلغَ الجسدُ في هذا المسارِ موقعَ المادةِ الأولى التي تُبدِعُ منها الإرادةُ ذاتَها. صارَ ميدانَ الحريةِ المطلقةِ في تقريرِ الهُويَّة، وموضعَ الاختيارِ المتجدِّدِ الذي يستعيدُ فيه الإنسانُ سلطةَ الخلقِ على نفسِه. وبهذا التحوُّلِ اكتملَتِ الصورةُ التي جعلَتْ من الأنوثةِ حقلًا للتجريبِ والصناعة، وفتحَتِ الطريقَ أمامَ لاهوتِ الحريةِ الذي يُنصِّبُ الإرادةَ الإنسانيةَ في موقعِ الأصلِ المؤسِّس.
ثالثًا: لاهوتُ الحرية — الإرادةُ في مقامِ الأصل
تكشفُ التجلِّياتُ الغربيةُ للأنوثةِ عن أصلٍ لاهوتيٍّ خفيٍّ يحكمُها من الأعماق. فالحريةُ في الوعيِ الغربيِّ الحديثِ ارتقَتْ إلى مقامٍ يُشبِهُ مقامَ المقدَّس، وحلَّتِ الإرادةُ الإنسانيةُ في الموضعِ الذي كان الوجودُ المطلقُ يشغَلُه في المنظوماتِ السابقة. هذا الارتقاءُ هو ما يجوزُ تسميتُه «لاهوتَ الحرية»؛ إذ صارَتِ الحريةُ قيمةً عليا تُقاسُ إليها القيمُ كلُّها، وتُشتقُّ منها المعاني جميعُها.
مهَّدَ (فريدريش نيتشه- Friedrich Nietzsche) (1844–1900) لهذا اللاهوتِ حين أعلنَ أفولَ الأصولِ المفارِقةِ ونادى بإرادةِ القوةِ أساسًا للقيمة. صارَ الإنسانُ عندَه مشرِّعًا لقيمِه، ومُبدِعًا لموازينِه، وحاملًا لعبءِ الخلقِ بعدَ انسحابِ المطلقِ من أفقِ المعنى. ومن هذا الإعلانِ استمدَّ الفكرُ اللاحقُ تصوُّرَه للذاتِ بوصفِها سلطةً مؤسِّسةً تصنعُ ماهيَّتَها في فضاءٍ مفتوحٍ على إمكانٍ كلِّه.
يتَّضِحُ معنى «اللاهوت» في هذا السياقِ من موقعِ القداسةِ التي حازَتها الحُرِّيّة. اكتسبَتِ الحُرِّيّةُ في هذا الموقعِ حصانةً تُشبِهُ حصانةَ المقدَّس، حتّى صارَتْ مساءلتُها ضربًا من الخروجِ على أصلٍ ثابت. تحوَّلَتِ الحُرِّيّةُ بهذا الارتقاءِ من قيمةٍ بين القيمِ إلى أصلٍ مُؤسِّسٍ يتقدَّمُ على غيرِه، ومن وسيلةٍ إلى غايةٍ قصوى تُطلَبُ لذاتِها. وفي هذا التحوُّلِ يكمنُ جوهرُ لاهوتِ الحُرِّيّة: نقلُ العرشِ من الوجودِ المطلقِ إلى الإرادةِ الإنسانيّة، وإحلالُ الذاتِ في الموضعِ الذي كان المقدَّسُ يشغَلُه في المنظوماتِ السابقة.
استقرَّتِ الحُرِّيّةُ في هذا اللاهوتِ بوصفِها استقلالًا مطلقًا للإرادةِ عن كلِّ مُعطًى سابقٍ عليها. صارَتِ الذاتُ مُشرِّعةً لنفسِها بنفسِها، مُقرِّرةً لماهيَّتِها في فضاءٍ خالٍ من كلِّ صورةٍ مُقرَّرةٍ ومن كلِّ غايةٍ موروثة.
بلغَ تقديسُ الاستقلالِ ذروتَه في فلسفةِ التنوير. جعلَ (إيمانويل كانط-Immanuel Kant) (1724–1804) الاستقلالَ الذاتيَّ أساسًا للكرامةِ الخُلُقيّة، وقرَّرَ أنَّ الإرادةَ الحُرَّةَ تشرِّعُ لنفسِها قانونَها الخُلُقيَّ بذاتِها. صارَتِ الكرامةُ عندَه ثمرةً للاستقلالِ العقليِّ ومقياسًا للفعلِ الخُلُقيِّ، فاستقرَّتِ الحُرِّيّةُ في موقعِ المصدرِ الذي تنبثقُ منه القيمة.
انعكسَ هذا الأصلُ اللاهوتيُّ على تصوُّرِ الأنوثةِ انعكاسًا مباشرًا. صارَتِ المرأةُ في هذا الأفقِ إرادةً حُرَّةً تُقرِّرُ ماهيَّتَها بمعزلٍ عن كلِّ مُعطًى فطريٍّ أو غائيّ، وصارَ جسدُها لوحةً تُمارِسُ عليها هذه الإرادةُ سلطانَها في التشكيلِ والتحويل. الحُرِّيّةُ هنا تعني التحرُّرَ من كلِّ صورةٍ سابقةٍ ومن كلِّ غايةٍ مُقرَّرة، والانفتاحَ على صناعةٍ ذاتيّةٍ مُتجدِّدةٍ للهُويَّة.
يقومُ هذا اللاهوتُ على مفارقةٍ عميقةٍ تسري في بنيتِه. فالإرادةُ التي نصَّبَتْ ذاتَها أصلًا مطلقًا وجدَتْ نفسَها مُعلَّقةً في فراغٍ من المعنى. وعلى قدرِ ما ارتفعَتِ الحُرِّيّةُ في هذا اللاهوت، على قدرِ ذلك افتقرَتْ إلى الكرامةِ التي تمنحُها معناها وتُرسي غايتَها. وفي هذه المفارقةِ يكمنُ سرُّ المآلاتِ التي انتهى إليها الجسدُ المُحرَّرُ في التجربةِ الغربيّة.
رابعًا: مآلاتُ الجسدِ المُحرَّر
تُفصِحُ الحُرِّيّةُ عن حقيقتِها في ثمارِها. فحين تنفصلُ الحُرِّيّةُ عن أرضِ الكرامةِ الميتافيزيقيّة، تسلكُ بالجسدِ مسالكَ تكشفُ عن حدودِها الداخليّة. والناظرُ في التجربةِ الغربيّةِ المعاصرةِ يجدُ الجسدَ المُحرَّرَ يؤولُ إلى ثلاثةِ مآلاتٍ متضافرةٍ، تشيرُ المآلاتُ كلُّها إلى أزمةٍ تسكنُ الأصلَ المُؤسِّسَ وتتقدَّمُ على تفاصيلِ الممارسة:
1- المآلُ الأوَّلُ: تحوُّلُ الجسدِ إلى سلعةٍ في سوقِ الصور. فالحُرِّيّةُ التي جعلَتِ الجسدَ مشروعًا مفتوحًا سلَّمَتْه إلى منطقِ السوقِ ومعادلاتِ الربح، فصارَ رأسَ مالٍ يُعرَضُ ويُستهلَك، وصورةً تُتداوَلُ في فضاءِ الإعلانِ والاستعراض. اكتسبَتِ الأنوثةُ في هذا السوقِ قيمةً تُقاسُ بمقدارِ حضورِها في دائرةِ الرغبةِ والاستهلاك، وانتقلَتِ المرأةُ من موقعِ الذاتِ الحاملةِ للمعنى إلى موقعِ الموضوعِ المعروضِ للنظر.
2- المآلُ الثاني: انفصالُ اللَذَّةِ عن المعنى. فالجسدُ الذي تحرَّرَ من غايتِه الوجوديّةِ صارَ مدارَ لَذَّةٍ تُطلَبُ لذاتِها، منقطعةٍ عن الأفقِ الرمزيِّ الذي يمنحُها امتلاءَها. تحوَّلَتِ العلاقةُ بالجسدِ إلى استهلاكٍ مُتجدِّدٍ للإشباعِ العابر، وبقيَتِ الذاتُ في دورانٍ دائمٍ بين رغبةٍ وإشباعٍ يُعيدُ إنتاجَ فراغِه. وفي هذا الدورانِ تتبدَّى وحشةُ الحُرِّيّةِ حين تفتقرُ إلى المعنى الذي يَسْكُنُ إليه القلب.
3- المآلُ الثالث: انحسارُ البُعدِ المقدَّسِ عن الجسد. فالجسدُ في المنظوماتِ الحاملةِ للمعنى موضعُ آيةٍ ومحلُّ سِرٍّ، وفي التجربةِ الغربيّةِ المُحرَّرةِ صارَ مادةً مُتاحةً للتصرُّفِ والتشكيلِ وفقَ الرغبة. غابَتْ عن الجسدِ هالتُه الرمزيّة، وصارَ حضورُه محضَ حضورٍ فيزيائيٍّ خاضعًا لحساباتِ المنفعةِ واللذّة. وبانحسارِ المقدَّسِ عن الجسدِ انحسرَتِ الكرامةُ التي كانت تُودَعُ فيه، وبقيَتِ الحريّةُ وحدَها تحكمُ مصيرَه في غيابِ الأصلِ الذي يمنحُه قيمتَه.
تتضافرُ هذه المآلاتُ الثلاثةُ في دائرةٍ واحدةٍ يُغلِقُها منطقُ السوقِ على نفسِه. فالجسدُ الذي صارَ سلعةً تُدارُ صورتُه في اقتصادِ الرغبة، والرغبةُ التي انفصلَتْ عن معناها فصارَتْ وقودًا للاستهلاك، والمقدَّسُ الذي انحسرَ فأخلى الموضعَ لحساباتِ المنفعة، تلتقي كلُّها عند تسليمِ الأنوثةِ إلى آلةِ الصورةِ التي تُعيدُ تشكيلَ الوعيِ من خلالِ الجسد. تصيرُ صورةُ المرأةِ في هذا الاقتصادِ أداةً تُوظَّفُ في صناعةِ الرغبةِ وتوجيهِ السلوك، فتتحوَّلُ الحريّةُ المزعومةُ إلى خضوعٍ أعمقَ لمنطقِ السيطرةِ الذي انطلقَتِ الحداثةُ من أجلِه.
تلتقي هذه المآلاتُ عند حقيقةٍ واحدة: الحريّةُ حين تُبنى على ذاتِها من غيرِ كرامةٍ ميتافيزيقيّةٍ تُفضي بالجسدِ إلى مقامِ السلعة. وهذا المآلُ وليدُ صميمِ التأسيسِ الغربيِّ للأنوثة؛ إذ الإرادةُ التي أرادَتِ التحرُّرَ من كلِّ أصلٍ وجدَتْ نفسَها أسيرةَ السوقِ ومعادلاتِ الاستهلاك. وفي هذا الأفقِ تنكشفُ الحاجةُ إلى أساسٍ آخرَ يُقيمُ الأنوثةَ على أرضٍ من المعنى، وهو ما تقدِّمُه الحكمةُ المتعاليةُ في ميتافيزيقاها للإنسان.
خامسًا: الحكمةُ المتعاليةُ وميتافيزيقا الإنسان
تنهضُ الرؤيةُ الإسلاميّةُ للأنوثةِ على أساسٍ ميتافيزيقيٍّ رصينٍ قرَّرَتْه الحكمةُ المتعالية. قامَتْ هذه المدرسةُ على أصولٍ كبرى أعادَتْ بناءَ التصوُّرِ عن الوجودِ والنفسِ والبدن، وقدَّمَتْ للإنسانِ صورةً تجمعُ بين رسوخِ الأصلِ وانفتاحِ المسار:
1- الأصلُ الأولُ في هذه المدرسةِ: أصالةُ الوجود. فالوجودُ عندَ (صدر المتألّهين) هو الحقيقةُ العينيّةُ المتحقِّقةُ، والماهيّاتُ اعتباراتٌ تنتزعُها العقولُ من مراتبِ الوجودِ ودرجاتِه. وينبني على هذا الأصلِ تشكيكُ الوجود، أي كونُه حقيقةً واحدةً ذاتَ مراتبَ متفاوتةٍ في الشدّةِ والضعف، تتدرَّجُ من أدنى المراتبِ إلى أعلاها في اتصالٍ واحد. بهذا التصوُّرِ يصيرُ الوجودُ كلُّه سُلَّمًا متَّصلًا من الكمال، ويأخذُ كلُّ موجودٍ موقعَه في هذا السُّلَّمِ بحسبِ سعةِ وجودِه وشدَّتِه.
2- الأصلُ الثاني: الحركةُ الجوهريّة. فالجوهرُ عندَ (صدر المتألّهين) في تجدُّدٍ دائمٍ وسيلانٍ مستمرٍّ نحوَ الكمال، والعالَمُ كلُّه في سفرٍ وجوديٍّ صاعدٍ من القوةِ إلى الفعل. وتُثمِرُ هذه الحركةُ تصوُّرًا للنفسِ يجمعُ بين البدنِ والروحِ في حقيقةٍ واحدةٍ متدرِّجة. فالنفسُ الإنسانيّةُ جسمانيّةُ الحدوثِ روحانيّةُ البقاء، تنشأُ في أفقِ البدنِ ثمَّ تصعدُ في مراتبِ التجرُّدِ حتى تبلغَ أعلى مقاماتِها. بهذا الأصلِ تتوحَّدُ النفسُ والبدنُ في مسارٍ واحدٍ من الارتقاء، ويصيرُ الجسدُ مرتبةً من مراتبِ النفسِ ومظهرًا من مظاهرِ حقيقتِها الصاعدة.
ينبثق عن أصالةِ الوجودِ تصوُّرٌ للقيمةِ يجعلُها راسخةً في صميمِ التحقُّقِ الوجوديِّ للموجود. فالقيمةُ في هذه المدرسةِ تتبعُ سعةَ الوجودِ وشِدَّتَه، وترتقي بارتقاءِ الموجودِ في مراتبِ الكمال. يحملُ الإنسانُ بهذا الأصلِ قيمةً مغروسةً في حقيقةِ وجودِه، وسابقةً على أفعالِه ومكاسبِه، ومتجذِّرةً في مرتبتِه من سُلَّمِ الوجود. تصيرُ الكرامةُ في هذا التصوُّرِ حقيقةً وجوديَّةً عينيةً تُلازِمُ الإنسانَ ملازمةَ الوجودِ لصاحبِه، وتنبثقُ منها المعاني الخُلُقِيَّةُ والقِيَمِيَّةُ انبثاقَ الفرعِ من أصلِه. بهذا الربطِ بين الوجودِ والقيمةِ تُقيمُ الحكمةُ المتعاليةُ الكرامةَ على أساسٍ ميتافيزيقيٍّ رصينٍ يحفظُها من التقلُّبِ ويصونُها من التبدُّلِ.
يترتَّبُ على وحدةِ النفسِ في عينِ كثرةِ مراتبِها تصوُّرٌ للجسدِ يجعلُه حاملًا للمعنى في صميمِ تكوينِه. فالبدنُ في هذه المدرسةِ مرتبةٌ نازلةٌ من مراتبِ النفسِ الواحدة، متَّصلٌ بها اتصالَ الظِّلِّ بأصلِه والمظهرِ بحقيقتِه. تسري النفسُ في البدنِ سريانَ المعنى في الصورة، فيصيرُ الجسدُ ناطقًا بحقيقةِ النفسِ ومُفصِحًا عن مقامِها في سُلَّمِ الوجود. وبهذا الاتصالِ يستردُّ الجسدُ كرامتَه بوصفِه مظهرًا لحقيقةٍ روحيَّةٍ صاعدة، وحاملًا لأثرِ النفخةِ الإلهيَّةِ في أصلِ الخلقِ.
وتمضي الحكمةُ المتعاليةُ في تقريرِ كرامةِ الجسدِ إلى أفقِ المَعاد. فالنفسُ التي نشأَتْ في أفقِ البدنِ وصعدَتْ في مراتبِ الوجودِ تحتفظُ بصلتِها بالبدنِ في نشأتِها الأخرى، ويقومُ المعادُ الجسمانيُّ على عودةِ الإنسانِ بجسدِه في النشأةِ الآخرةِ عودةً تليقُ بتلك النشأة. بهذا الأصلِ يرتفعُ الجسدُ إلى مقامٍ يتجاوزُ حدودَ الحياةِ الدنيا، ويصيرُ حاملًا لكرامةٍ ممتدةٍ إلى الأبد. بهذه الأصولِ يكتملُ تصوُّرُ الإنسانِ كائنًا صاعدًا في وجودِه، وحاملًا لكرامةٍ تمتدُّ من نشأتِه الأولى إلى نشأتِه الأخرى.
تلتقي هذه الأصولُ الميتافيزيقيَّةُ بأصلِ الفطرةِ الذي قرَّرَه الوحي. فالفطرةُ صبغةٌ إلهيَّةٌ فُطِرَ الإنسانُ عليها، وأصلٌ ثابتٌ يحملُ استعدادَ النفسِ لكمالِها ومعرفةِ خالقِها. تجري الحركةُ الجوهرِيَّةُ في اتجاهِ هذا الأصلِ الفطريِّ فتُحقِّقُ النفسَ بكمالاتِها المغروسةِ فيها، ويصيرُ سيرُ الإنسانِ نحوَ كمالِه تحقيقًا لما أُودِعَ في فطرتِه من استعداد. تحملُ الأنوثةُ في هذا التصوُّرِ فطرةً خاصةً تتجلَّى فيها كمالاتٌ وجوديَّةٌ بعينِها، تتَّصلُ بالرحمةِ والحنانِ والخصوبةِ والجمال. تصيرُ هذه الكمالاتُ مظاهرَ لأسماءِ الحقِّ -تعالى- في مرتبةِ الأنوثة، فيرتقي بها النظرُ من مقامِ الوصفِ الحسيِّ إلى مقامِ المعنى الوجوديِّ الذي تشيرُ إليه.
تُقدِّمُ الحكمةُ المتعاليةُ بهذا كلِّه ميتافيزيقا للإنسانِ تُؤسِّسُ الكرامةَ في صميمِ الوجود، وتجعلُ الحريةَ حركةً صاعدةً نحوَ الكمالِ المغروسِ في الأصل. وعلى هذه الأرضيةِ الرصينةِ تقومُ الرؤيةُ الإسلاميَّةُ للأنوثة، فتُنزِلُها منزلةً تليقُ بحقيقتِها الوجوديَّةِ.
سادسًا: الأنوثةُ في أفقِ التكريمِ
تتفتَّحُ الأنوثةُ في الرؤيةِ الإسلاميَّةِ من أصلِ الكرامةِ المغروسةِ في الإنسان. فالتكريمُ الإلهيُّ يشملُ بني آدمَ جميعَهم في أصلِ خِلْقَتِهم، ويجعلُ من الكرامةِ حقيقةً وجوديَّةً سابقةً على الذكورةِ والأنوثةِ وعلى التمايزِ اللاحقِ كلِّه. يقولُ الحقُّ تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: ٧٠]. بهذا التكريمِ الجامعِ تنالُ الأنوثةُ قيمتَها من أصلِ الإنسانيَّةِ المُكرَّمة، وتأخذُ موقعَها في سُلَّمِ الوجودِ الصاعدِ نحوَ الكمالِ.
تظهرُ الأنوثةُ في ضوءِ الحكمةِ المتعاليةِ نمطًا من أنماطِ النفسِ في سفرِها الجوهريِّ نحوَ كمالِها. فالنفسُ الأنثويّةُ حقيقةٌ وجوديّةٌ تجمعُ البدنَ والروحَ في مسارٍ واحدٍ من الارتقاء، ويحملُ جسدُها معنًى يتَّصلُ باتصالِ النفسِ بمراتبِها العليا. الجسدُ الأنثويُّ في هذا الأفقِ آيةٌ من آياتِ الخلقِ، ومظهرٌ من مظاهرِ الحكمةِ الإلهيّة، يحملُ سِرَّ الحياةِ ويشهدُ على عظمةِ الصنعةِ في أبهى تجلِّياتِها. يقولُ الحقُّ -تعالى- في وصفِ إبداعِ الخلقِ في أطوارِ التكوين: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤].
تحملُ الأنوثةُ في تراثِ الحكمةِ والعرفانِ معنى المظهريّةِ للجمالِ الإلهيّ. فالجمالُ صفةٌ من صفاتِ الحقِّ تعالى تتجلَّى في مراتبِ الخلق، والأنوثةُ من أبهى المظاهرِ التي يتجلَّى فيها هذا الجمال. تصيرُ المرأةُ في هذا الأفقِ آيةً تُشيرُ إلى جمالِ خالقِها ومرآةً تعكسُ أثرَ أسمائِه الحُسنى، فيرتقي النظرُ إليها من مقامِ الحسِّ إلى مقامِ الاعتبارِ والمعنى. وبهذا الارتقاءِ يتحرَّرُ الجسدُ من أسرِ الصورةِ الحسّيّةِ ليصيرَ بابًا إلى المعنى، ومَعبَرًا إلى مشاهدةِ آثارِ الحكمةِ في الوجود.
تتكاملُ الأنوثةُ والذكورةُ في هذا الأفقِ تكاملَ نمطينِ من أنماطِ الوجودِ الإنسانيّ. فكلٌّ منهما مرتبةٌ تحملُ كمالاتٍ خاصّةً تتمِّمُ كمالاتِ الأخرى، ويلتقيانِ في وحدةِ الحقيقةِ الإنسانيّةِ الجامعةِ لهما. يقومُ الزواجُ في هذا التصوُّرِ على هذا التكاملِ الوجوديِّ، فيصيرُ مقامًا تجتمعُ فيه الرحمةُ والمودةُ والسكن، وأفقًا تتحقَّقُ فيه كمالاتُ النفسينِ في مسارٍ مشترَكٍ من الارتقاء. تنشأُ من هذا الاجتماعِ الأسرةُ بوصفِها موضعًا لحفظِ المعنى وتربيةِ النفسِ وامتدادِ الحياةِ في أفقِ الكرامة. بهذا التكاملِ تأخذُ الأنوثةُ موقعَها في نظامٍ وجوديٍّ جامعٍ يحفظُ لكلِّ مرتبةٍ كمالَها ويصونُ لها معناها.
تبلغُ الأنوثةُ ذروةَ معناها في مقامِ الأمومة. فالأمومةُ تجلٍّ للخصوبةِ الوجوديّةِ التي تشاركُ فيها المرأةُ فعلَ الخلقِ بإذنِ خالقِها، وتحملُ فيها الحياةَ من مرتبةٍ إلى مرتبةٍ في مسارٍ صاعدٍ من الكمال. يكتسبُ الجسدُ الأنثويُّ في هذا المقامِ كرامةً مضاعفةً؛ إذ يصيرُ موضعَ آيةٍ كبرى من آياتِ التكوين، ومهدًا للحياةِ الإنسانيّةِ في نشأتِها الأولى. وبهذا المعنى تتَّصلُ الأنوثةُ بأعمقِ أسرارِ الوجودِ وأرفعِ مقاماتِ الخلقِ.
تحفظُ العفَّةُ والحياءُ في هذا الأفقِ مقامَ الجسدِ ومعناه. فالحياءُ في الرؤيةِ الإسلاميّةِ حالةٌ وجوديّةٌ تصونُ سِرَّ الجسدِ وتحفظُ هالتَه الرمزيّة، وتُبقيه في مقامِ الآيةِ والمعنى بعيدًا عن دائرةِ العرضِ والاستهلاك. تصيرُ العفَّةُ موقفًا إيجابيًّا يحرسُ كرامةَ الجسدِ ويُثبِتُ صلتَه بأصلِه المقدَّس، ويجعلُ من الاحتشامِ فعلَ صونٍ للمعنى في مواجهةِ منطقِ الصورة. تنبثقُ العفَّةُ من امتلاءِ النفسِ بحقيقتِها الوجوديّة، فتغدو تعبيرًا عن حريةٍ داخليّةٍ تحفظُ الذاتَ في مقامِ الكرامة، وتُقيمُ العلاقةَ بالجسدِ على أساسٍ من المعنى والاعتبار.
تحملُ الحريةُ هنا معنًى يليقُ بكرامةِ الإنسان. فالحريةُ عندَ أهلِ الحكمةِ تحرُّرٌ نحوَ الكمالِ وارتقاءٌ في مراتبِ الوجود، وسيرٌ بالنفسِ من أدنى مقاماتِها إلى أعلاها في طريقِ العبوديةِ التي هي عينُ الحريةِ الحقيقيّة. المرأةُ في هذا التصوُّرِ حُرّةٌ بمقدارِ تحقُّقِها بكمالاتِها الوجوديّة، صاعدةٌ في سفرِها الجوهريِّ نحوَ غايتِها المغروسةِ في أصلِ خلقتِها. الحريةُ هنا تنبثقُ من الكرامةِ وتصبُّ فيها، فتغدو حركةً في اتجاهِ الكمالِ الذي وُهِبَتِ النفسُ استعدادَه.
سابعًا: تكاملُ الحرّيّةِ والكرامةِ في أفقٍ واحد
تلتقي الحرّيّةُ والكرامةُ في الرؤيةِ الإسلاميّةِ التقاءَ الأصلِ بثمرتِه. فالكرامةُ تمنحُ الحرّيّةَ أرضَها الميتافيزيقيّةَ وغايتَها، والحرّيّةُ تُحقِّقُ الكرامةَ في مسارِ النفسِ الصاعدِ نحوَ كمالِها. وبهذا التكاملِ ينحلُّ التوتُّرُ بين الحرّيّةِ والكرامةِ، ويتبيَّنُ أنَّ الحرّيّةَ والكرامةَ وجهانِ لحقيقةٍ واحدةٍ في ميتافيزيقا الوجودِ.
تتبدَّى في هذا التكاملِ صورةٌ للحرّيّةِ أعمقُ من صورةِ الاستقلالِ المطلقِ. فالحرّيّةُ الحقيقيّةُ في أفقِ الحكمةِ تحرُّرُ النفسِ من أسرِ القوى النازلةِ وارتقاؤها إلى مقامِ الكمالِ الذي فُطِرَتْ عليه. تبلغُ النفسُ حرّيّتَها حين تتحقَّقُ بحقيقتِها الوجوديّةِ وتصعدُ في مراتبِ القربِ من مبدئِها الأوّلِ، فتصيرُ الحرّيّةُ عينَ العبوديّةِ الخالصةِ التي يتحرَّرُ بها الإنسانُ من كلِّ قيدٍ سوى صلتِه بخالقِه. المرأةُ في هذا الأفقِ حرّةٌ بمقدارِ صعودِها في سُلَّمِ الكمالِ، ومُكرَّمةٌ في أصلِ وجودِها، وحاملةٌ لجسدٍ يشهدُ على معناها الرُّوحيِّ.
يكشفُ هذا التكاملُ عن الفرقِ الجوهريِّ بين المنظومتينِ. فالمنظومةُ الغربيّةُ أقامَتِ الحرّيّةَ أصلًا مطلقًا فانتهَتْ بالجسدِ إلى مقامِ السِّلعةِ، والمنظومةُ الإسلاميّةُ أقامَتِ الكرامةَ أساسًا فارتقَتْ بالحرّيّةِ إلى مقامِ الكمالِ. الفرقُ بين المسارينِ فرقٌ في الأصلِ المؤسِّسِ يتقدَّمُ على تفاصيلِ الأحكامِ؛ إذ الأصلُ الذي تنبثقُ منه الرؤيةُ يُحدِّدُ مآلَها ويرسمُ أفقَها. وفي هذا الفرقِ التأسيسيِّ يكمنُ جوهرُ المقابلةِ التي يعقدُها هذا العددُ بين لاهوتِ الحرّيّةِ وميتافيزيقا الكرامةِ.
يفتحُ هذا التكاملُ أفقًا لإعادةِ بناءِ سؤالِ الأنوثةِ على أرضٍ من المعنى. فالرؤيةُ التي تجمعُ بين الحرّيّةِ والكرامةِ في حقيقةٍ واحدةٍ تُقدِّمُ للمرأةِ صورةً تليقُ بحقيقتِها الوجوديّةِ: صورةَ نفسٍ مُكرَّمةٍ في أصلِها، حرّةٍ في سفرِها نحوَ كمالِها، حاملةٍ لجسدٍ هو آيةٌ ومعنًى ومحلُّ سِرٍّ. وبهذه الصورةِ تستردُّ الأنوثةُ مقامَها في ميتافيزيقا الوجودِ، وترتقي من منطقِ السوقِ إلى أفقِ الكمالِ.
يفتحُ هذا العددُ من مجلّةِ «اعتقاد» ملفَّ الأنوثةِ بوصفِه مسألةً فلسفيّةً تأسيسيّةً، ويقرأُ تجلِّياتِها الغربيّةَ في ضوءِ أصولِها الميتافيزيقيّةِ، ويُقابِلُها بالرؤيةِ التي قرَّرَتها الحكمةُ المتعاليةُ. والحصيلةُ التي ينتهي إليها هذا النظرُ أنَّ صورةَ المرأةِ في كلِّ حضارةٍ ثمرةُ ميتافيزيقاها في الوجودِ والنفسِ والقيمةِ، وأنَّ إعادةَ بناءِ سؤالِ الأنوثةِ تبدأُ من إعادةِ النظرِ في هذه الأصولِ الكبرى.
تُظهِرُ المقابلةُ بين المنظومتينِ أنَّ سؤالَ الأنوثةِ سؤالٌ عن الإنسانِ في عمقِه. فالموقفُ من المرأةِ والجسدِ يكشفُ الموقفَ من النفسِ والوجودِ والقيمةِ، والرؤيةُ التي تُقيمُ الأنوثةَ على أصلِ الكرامةِ تُقيمُ الإنسانَ كلَّه على أصلِ التكريمِ الإلهيِّ الجامعِ. تُعيدُ الحكمةُ المتعاليةُ بهذا الأصلِ صياغةَ العلاقةِ بين الحرّيّةِ والكرامةِ صياغةً تجعلُهما وجهينِ لحقيقةٍ واحدةٍ، وتفتحُ أمامَ الفكرِ الإسلاميِّ المعاصرِ أفقًا لمقاربةِ أسئلةِ الحداثةِ من موقعِ التأسيسِ المتجاوزِ لموقعِ التلقِّي. وفي هذا الأفقِ تجدُ مسألةُ المرأةِ حلَّها العميقَ في استعادةِ ميتافيزيقا الوجودِ التي تمنحُ الموجوداتِ جميعَها مواقعَها ومعانيَها.
يفتحُ هذا النظرُ التأسيسيُّ بابًا واسعًا أمامَ الأبحاثِ التي تلتقي في مشروعٍ واحدٍ يعيدُ بناءَ سؤالِ الأنوثةِ على أرضٍ فلسفيّةٍ رصينةٍ، ويقدِّمُ للقارئِ العربيِّ رؤيةً تجمعُ بين عمقِ النقدِ وأصالةِ التأسيسِ. وبهذا الجمعِ نُسهِمُ في تحريرِ الوعيِ من أسرِ المقولاتِ الوافدةِ، وفي إقامةِ نظرٍ أصيلٍ ينطلقُ من أصولِه الحضاريّةِ في مقاربةِ أعمقِ أسئلةِ الإنسانِ المعاصرِ.
إنَّنا ندعو هنا إلى نظرٍ تأسيسيٍّ يتجاوزُ قراءةَ أزمةٍ غربيّةٍ تُرقَبُ من بعيدٍ، إلى مساءلةِ وعيٍ تتنازعُه آثارُ المنظومتينِ معًا. وبهذه المساءلةِ نُسهِمُ في بناءِ رؤيةٍ فلسفيّةٍ للأنوثةِ تقومُ على ميتافيزيقا الوجودِ والكرامةِ، وتفتحُ الطريقَ أمامَ استعادةِ المعنى في زمنٍ استحوذَ فيه لاهوتُ الحريّةِ على صورةِ الإنسانِ.
تأسيسًا على هذا الأفق الفكريّ، ينبري هذا العدد من مجلّة «اعتقاد» لفتح باب الحوار في هذه المعضلات الفلسفيّة. وقد انتظمت أبحاثه وملفاته لتشمل المحاور الآتية: إذ تولَّت نخبة من الأساتذة الأجلّاء معالجة زوايا متنوعة من سؤال لاهوت الأنوثة: بين الحرية والكرامة، وهم: الباحث د. (علي محمد عليان عبد الرازق الخطيب) (مصر) وبحثه: "الأُنْثَى بَينَ الحُرّيةِ وَالذَّات:ِ نَقْدُ الفَلْسَفَةِ النَّسَوِيّةِ الغَربِيَّةِ مِن مِنْظارِ فَلْسَفَةِ الدِّيْنِ"، ود. (ليزا سعيد أبو زيد) (مصر) وبحثها: "لَاهُوتُ الجَسَدِ: التَّصوُّرُ النَّسَوِيُّ الغَربِيُّ لِلجَسَدِ وَالهُوِيَّةِ"، ومن المغرب د. (محمد المحيفيظ) والباحثة (نسيمة سعدي) وبحثهما: "الأُنُوثَةُ فِي زَمَنِ السُّوقِ: قِرَاءَةٌ فِي تَحَوُّلِ النَّسَوِيَّةِ المُعَاصِرَةِ بَينَ الاستِهلَاكِ وَفَلسَفَةِ الدِّينِ"، ود. (مازن رسلان أبو ديّة) (لبنان) وبحثه: "المَرأَةُ فِي فَلسَفَةِ الدِّينِ الإِسْلَامِيَّةِ: الكَرَامَةُ لَا التَّمَاثلُ"، والباحثة (الأميرة نعمت الأمير علي حرفوش) (لبنان) وبحثها: "الأُنُوثَةُ قِيمَةٌ رُوحِيَّةٌ: تَأَمُّلَاتٌ فِي فَلسَفَةِ التَّكْمِيلِ بَينَ الذَّكَرِ وَالأُنثَى".
وفي باب دراسات وبحوث، فقد ترجم د. (محمّد فراس الحلباوي) (سورية) من الفارسية البحث الآتي: "عَلَاقَةُ العَقلِ وَالإِيمَانِ فِي رُؤيَةِ (ملّا صدرا) وَ(كيركغور)"، للدكتور (مهدي خادمي) (إيران).
أمَّا مراجعة كتاب، فقد اخترنا كتاب "جَمَالُ المَرأَةِ وَجَلَالُهَا" الذي تكفَّلت بعرضه الكاتبة (ميرفت إبراهيم) (لبنان).
إنَّنا إذ نقدّم هذا العدد، الذي نتمنَّى أنْ ينال اعجاب القراء الذين كلّنا أمل أنَّهم لن يبخلوا علينا بملاحظاتهم القيّمة.
والحمد لله أوًلًا وآخرًا




التعليقات